مجموعة مؤلفين
53
إرشاد ذوي العقول إلى براءة الصوفية من الاتحاد والحلول
فإن قلت : كيف تبنى أمر علم التصوف على الكشف الذي هو ومن قبيل الرؤيا ؟ ، والحال أن النوم ضد للإدراك ، فالرؤيا خيال باطل عند جمهور المتكلمين . قلت : ذهب الأستاذ أبو إسحاق إلى أن إدراك النائم حق بلا شبهة ، إذ لا فرق بين ما يجده النائم وبين ما يجده اليقظان ، والتشكيك فيه سفسطة ، ولا عبرة لكلام الجمهور لما ورد في أمر الرؤيا من الأخبار الآثار وهو مذهب الإمام حجة الإسلام وغيره من محققي أهل السنة . فإن قلت : كيف لا تعتبر كلام الجمهور ؟ قلت : لا يلزم من هذا محذور ، وسيرد عليك أن الجمهور ذهب إلى أنّا نعرف كنه الباري تعالى ، وأن ذاته مماثلة لسائر الذوات ولا شك أنّا لا نقبله لما سيأتي ، فإذا جاز هنا لم لا يجوز هناك ؟ أو تقول الوجود الذهني ثابت كما سيتلى عليك ، وقال به كثير من المتكلمين ، فالرؤيا خيال حق بمعنى أنه موجود في الذهن باطل بمعنى أن ما يتخيله النائم ، ويتوهم أنه من الموجودات الخارجية باطل أي : لا وجود له في الخارج ، أو نقول : كلام جمهور المتكلمين يحمل على رؤيا غير الأنبياء والصالحين ؛ لأنهم تخرق لهم العوائد ، فلا يكون النوم ضدا لإدراكهم على طريق خرق العادة . واعلم أن الكشف عبارة عن قوة إلهية تقوم للعقل مقام النظر ، فيدرك بها المعلومات على ما هي عليه ، وهي البصيرة المشار إليها بقوله تعالى : أَدْعُوا إِلَى اللَّهِ عَلى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي [ يوسف : 108 ] ، وهو المقام الذي وراء طور العقل لا بمعنى أنه يناقض العقل ويحيله العقل ، بل بمعنى أن العقل بمجرد فكره لا يصل إلى إثباته ، لكن إذا ذكر له يقبله ويجعله من الممكنات ، وصاحب الكشف يطلع على حقائق